الشيخ محمد الخضري بك
85
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
رؤياه ، فقال : إنها لرؤيا حق ، ثم قال له : لقّن ذلك بلالا فإنه أندى « 1 » صوتا منك ، وبينما بلال يؤذن إذ جاء عمر يجر رداءه ، فقال : واللّه لقد رأيت مثله يا رسول اللّه « 2 » . وكان بلال أحد مؤذنيه بالمدينة ، والاخر عبد اللّه بن أم مكتوم ، وكان بلال يقول في أذان الصبح بعد حي على الفلاح : الصلاة خير من النوم مرتين ، وأقره الرسول على ذلك ، وكان عليه الصلاة والسلام يأمر في فجر رمضان بأذانين أولهما يوقظ به الغافلون حتى ينتبهوا للسحور ، والثاني للصلاة . أما الأذان للجمعة . فكان أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبي بكر وعمر ، فلمّا كان عثمان وكثر الناس زاد نداء اخر على الزوراء . رواه البخاري . ولمّا تولى هشام بن عبد الملك أخذ الأذان الذي زاده عثمان بالزوراء وجعله على المنار ، ثم نقل الأذان الذي كان على المنار حين صعود الإمام على المنبر في العهد الأول بين يديه . فعلم بذلك أن الأذان في المسجد بين يدي الخطيب بدعة أحدثها هشام بن عبد الملك ، ولا معنى لهذا الأذان لأنه هو نداء إلى الصلاة ، ومن هو في المسجد لا معنى لندائه ومن هو خارج المسجد لا يسمع النداء إذا كان النداء في المسجد . ذكر ذلك الشيخ محمد بن الحاج في المدخل . قال الحافظ في فتح الباري : وأما ما أحدث الناس قبل الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فهو في بعض البلاد دون بعض واتباع السلف الصالح أولى . فعلم من ذلك كلّه أن سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أذان الجمعة أنه كان إذا جلس على المنبر أذن مؤذّنه على المنار ، فإذا انتهت الخطبة أقيمت الصلاة وما عدا ذلك فكله ابتداع « 3 » .
--> ( 1 ) أي أحسن وأعذب . ( 2 ) قال ابن هشام : فذهب عمر إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليخبره بما رأى . وقد جاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الوحي بذلك ، فما راع عمر إلّا بلال يؤذن . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين أخبره بذلك . قد سبقك بذلك الوحي . وهذا يدل على أنه قد جاء الوحي بتقدير ما راه عبد اللّه بن زيد ابن عبد ربه وقوّى ذلك عنده موافقة رؤيا عمر للأنصاري مع أن السكنية تنطق على لسان عمر واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الأذان على لسانه غير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من المؤمنين لما فيه من النبوية من اللّه لعبده ، والرفع لذكره ، فلأن يكون ذلك على غير لسان أنوه وأفخم لشأنه ، وهذا معنى بين ، فإن اللّه سبحانه يقول : ( ورفعنا لك ذكرك ) . ( 3 ) قول المصنف انه بدعة أو ابتداع لأن كل شيء لم يكن في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يكون بدعة لكن منها ما يكون